lundi 17 juillet 2023
Ibrahim Najjar, par le professeur Rizk ZOUGHEIB
صاحب الفخامة ،
اصحاب المعالي والسعادة ،
السيدات والسادة ،
لا اخفيكم ان شعوراً من الغبطة ممزوجٌ بشيء من الرهبة تملكني عندما كلفني الصديق العزيز الاستاذ بشارة خيرالله ، فشرّفني ، تقديم معالي البروفسور ابراهيم نجار وادارة هذه الندوة الحوارية ،
ولعلّ مرّد هذا الشعور ما أوتي الاستاذ الكبير من غنى الشخصية ما تعددت معه الوجوه ، ومن اراد ان يتحدث عنه حار في أي وجه يختار ، وكل منها مشرقٌ جذّاب . فهو المحامي واستاذ الحقوق والمؤلف والسياسي ورب العائلة ، مالئ الدنيا وشاغل الناس .
فلا غرّو في القول ان الاستاذ نجار عظيم من أي ناحية أتيناه . وآية العظمة فيه ايمانه بربه وبوطنه وبالانسان . وهي عظمة أتاه اياها من نفخ في أنفه نسمة الحياة كداود يوم قال : "اقمت لك اسماً عظيماً كاسماء العظماء الذين في الارض" .
هو اولاً المحامي الالمعي الذي وقف امام القوس وهو يطّل على العشرين، وما زال يقوم بالرسالة السامية طوال ما يقارب الستين .
دخل الى المهنة في زمن كانت الاعراف والتقاليد والعادات غير المكتوبة تظلل كل ناحية من نواحيها ، فتعطيها منعة ورفعة يدفع للاسف عصر الحداثة رويداً رويداً الى تقهقرها . تدرّج على يد كبار وتدرج على يديه من باتوا كباراً في المحاماة والقضاء . خبر غزارة الكتابة الممزوجة بجمال السجع الادبي مع العلامة ادمون رباط ، وتشرّب الرصانة والدقة القانونية مع النقيب جورج فيليبيدس . وبات على مرّ السنين ، وباعتراف الخصوم قبل الاصدقاء ، سيداً من اسياد القلم وأميراً من أمراء المنبر ، منبر المرافعة طبعاً . اعتاد ان يقارع الحجة بالحجة والفكرة بالفكرة فبات منهاج حياة ، كما دأب على اجتراح الحلول المبسطة لقضايا معقدة ، يسعفه في ذلك رجاحة عقل وسداد رأي وقوة اقناع . وفضلاً عن مرتعه الاصلي ، لم يترك مجالاً لم تطاله لوائحه الا ما ندر . يربح بخفر ويخسر بشرف .
وهو ثانياً البروفسور المجلّي ، استاذ مادة الارث والوصايا والهبات او التبرعات على ما يحلو له ان يطلق عليها من تسمية في كلية الحقوق والعلوم السياسية لدى جامعة القديس يوسف العريقة في بيروت . فبعد ان تُوّج باكليل من غار على أثر مناقشة اطروحته الشهيرة في باريس حول حق الخيار، دخل الكلية مدرّساً لاول مرة سنة 1966 ، يوم كانت حصناً متقدماً ومشعّاً للتراث القانوني الفرنسي في الشرق ، ووحيداً بعد ان دفعت ثورة الضباط الاحرار في مصر كلية الحقوق الفرنسية في القاهرة الى الاقفال . فلم يكن هذا الصرح المجيد يضمّ الا ثلة من نخبة الاساتذة الفرنسيين المظفرين في مباراة الAgrégation ، وقلة قليلة من الاستاذة اللبنانيين المحظيّن الذي طبعوا الحياة الحقوقية في لبنان وتبؤا اعلى المراكز القضائية والمناصب الوزارية كشكري القرداحي وبشارة طباع وقبلهما نجيب ابو صوان وبعدهما أميل التيان وبيار غناجه . فاستقرّ مع كوكبة من الاستاذة الذين عاصروه ، وقدّر لي ان اعاصرهم طالباً ومن ثم استاذاً، فطبعوا الكلية لردح طويل من الزمن بطابعهم ، اطلقنا عليهم لقب انصاف الآلهة وكان عددهم لا يربو عن ثمانية ، منهم ميشال تابت وحسان ثابت رفعت في القانون العام وريشار شمالي وفايز الحاج شاهين في القانون الخاص . وهكذا قضى على منبر التدريس قرابة نصف قرن ، يُطالع ويراجع ويُدبج ويعدّ لطلابه محاضراته التي يلقيها عليهم وهو يجري في حلبة الجامعة جري الفارس الواثق من نفسه ، القادر على جذب انتباه من يصعب جذبه عادة ، مستعيناً بما منّ عليه الله فيه من بلاغة وجلال حركة ، ثم يلتقي الاستاذ وطلابه على مفارق الحياة بعد ان خرّج من بين يديه جحافل محامين ورجال قضاء ، وهم على اعجاب به واقرار بالجميل وهو على فخر بهم واعتزاز.
كما ان علمه الواسع تمخض غزارة في الانتاج الفكري ، فبات مدماكاً من مداميك الفقه القانوني في لبنان ، يذهب بتأملاته الى كتبه واقلامه فيودع اوراقه ثمرات تفكيره ، وقد وضع سيلاً من المؤلفات القيّمة والمقالات والتعليقات والمدوّنات التي حطّ بعضها رحاله في كبريات المجلات الحقوقية الفرنسية ، فانتسب بذلك الى اسطورة الوطن الصغير وساهم في اطلالة وجه بلد الارز على الدنيا مشرقاً ومزهواً .
وهو ثالثاً السياسي المجرّب والوطني الاصيل والوزير الوازن والمتزن ، استهوته السياسة باكراً وكانت في مرحلتها الذهبية في لبنان ، حيث تتصارع على ارضه العقائد ، فيتفاعل معها الناس وينقسمون بين يمين ويسار ، وقد حوّلها التحام الجبل وعصبياته بالمدينة مفجرة الافكار الى حزبيات عابرة للطوائف تتصارع على السلطة وعلى خدمة لبنان . انتسب الى حزب الكتائب اللبنانية المؤتمن في حينه على الكيان والصيغة والداخل الى مرتع الحكم حديثاً من بابه العريض برعاية شهابية واضحة . فحاول مع آخرين ، وهو الارثوذكسي المتمدن ، في خلية النحل التي كانت تشكّله مصلحة الطلاب فيه ان يرفده اسوة بغيره من الاحزاب الجماهيرية المنظمة بعقيدة تغنيه ، مستعيناً ، بوجه الماركسية الرائجة والزاحفة بفلسفة Emmanuel Mounier عن الشخصانية. خبر الاعيب السياسة وعايش اساطينها ، كما تمرّس على الانضباط ، فبات جزءاً من شخصيته واسلوب عمله رافقه في الميادين كافة ، الا ان خلفيته الحقوقية لم تجعله يطغى على تقديسه الحرية . هذه الخلفية جعلته ايضاً مبدئياً في السياسة لا يناور ولا يساوم في حبّ الوطن وفي ما اعتبره من الاساسيات . مبدئيته هذه جعلت قدماه لا تطأ ابداً ارض الوطن السليب على غرار زملاء له في النضال لأيمانه بأحقية القضية المركزية وبانتماء لبنان العربي ، كما لم تجعله ابداً في المقابل يردد مع القائلين ، وهم كُثر : "أحب دمشق هوايَ الارقَ"، فلم يعرف ساحة الامويين وقصر المهاجرين يوم كانت تُسمع فيها طقطقة الرؤوس لرؤية بطل تشرين ومحاور كيسنجر الدي لا يلين .
وعندما انزوت العائلة واشاح الله وجهه عن الوطن لبرهة من الزمن ، ترك ابراهيم نجار حزبه الى غير رجعة ، وبقدر ما استهواه الجدل النظري بقدر ما كان يحاذر دخول لعبة المناصب التي كادت تطاله بشباكها مرات عديدة منذ العام 1973 . الا ان الحذر لا يفيد من قدر . آثر مثله مثل جمع من ابناء طائفته ان يكتفي بدور اصغر من طموحاته واكبر من ان يرفض . فيه شيء من صرامة نسيم مجدلاني ووهج حبيب ابو شهلا وموسوعية شارل مالك ورصانة فؤاد بطرس ومهنية ايلي سالم وكوزموبولية غسان تويني ، فصّح فيه ما قاله عن هذا الاخير كريم بقرادوني بانه "يعدّ نفسه أهم من كل فريق الحكم مجتمعاً ويوحي انه متفوق على الكل ومعلم الكل وانه غير مقتنع باحد ، هو قادر ان يحوّل وزارته مهما كانت أهم من كل الوزارات . ومستعدّ ان يكون نائباً فيصير مجلس النواب في نظره سلطة اكبر من سلطة الحكومة . ويرضى ان يكون ولو مختاراً في قرية ، فتصبح المختارية مهمة وطنية والقرية عاصمة" كثيرون يأنسون برأيه ويثقون بنافذ بصيرته .
تولى وزارة العدل في العام 2008 لقرابة الثلاث سنوات ، الوزارة السيادية الخامسة والاولى في المكانة والتشريفات . أتت اليه ولم يسع اليها ، فشرّف من سماه دون ان يندمج فيه حتى الامحاء محافظاً على قدر من الاستقلالية والحرية جاعلاً اياها فوق أي اعتبار . أبى ان يكون فقط وزيراً على مبنى وزارة العدل على ما هو جار في هذه الايام نتيجة تفسير ملتو لمبدأ فصل السلطات . فأبعد الانقسامات عن الجسم القضائي وشكّل درعاً حامياً له ورعى بحنكته وترفعه وهيبته انجاز تشكيلات قضائية رأت النور ووجدت طريقها الى النفاذ بعد سنوات من التعطيل والمماحكات والكيديات . كما أمنّ استقلالية القضاة المادية متجاوزاً تحفظات الممسكين بالخزانة وأقرّ سلسلة رتب ورواتب تليق بمن يتولى سلطة من سلطات الدولة .
في كل هذه الوجوه المتنوعة ، يبقى ابراهيم نجار ذو شخصية تمتاز بصفات دائمة وواحدة . فهو لا يعرف الغضب ابداً مردداً مع الشاعر :
لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب ولا ينال العلى من طبعه الغضب
بل يحمل في صدره قلب انسان ما حجرته المادة ولا جففه الغنى فأبطره.
كما مَنّ عليه الله بنعمة التحمّل والصبر وقد ألمّت به كما سائر البشر ملمات عديدة اشدّها مرارة بعد اختطاف واغتيال عمه حادث السير المرّوع الذي تعرّض له مع زوجته الفاضلة اثناء توليه الوزارة فلم يتذمر يوماً ولم تغادر البسمة وجهه ابداً عاملاً بحكمة ابو ذؤيب الهذلي :
وتجلدي للشامتين أُريهمُ أني لَرَيبِ الدهر لا أتضعضعُ
ويبقى أن ابراهيم نجار مولع بثلاث :
ـ الاولى هي الجمال كيفما تمظهر فألمّ بالفنون السبع قاطبة مع تفضيل واضح لفن الرسم وللأدب حيث للكلمة موقع خاص لديه ، جبلها فجبلته .
ـ والثانية هي الحرية التي من اجلها ضحى بمناصب ومراكز كثيرة رافضاً الانخراط في بوطقات قاتلة ، كما لجأ الى قلم المحامي والمؤلف والى ما أوتي من فصاحة وقدرة اقناع للدفاع عنها حيثما دعت الحاجة ، كما خصص لها عنوان مؤسسته الرائدة "ثقافة وحريات" culture et libertés الذي ما برح يجهد في تنظيم لقاءاتها الدورية ويبذل في سبيلها الغالي والرخيص والعناية والدراية اللازمتين فباتت واحة في صحراء قاتلة للعصف الفكري ولتلاقي اهل العلم والقلم والسياسة والابداع .
ـ والثالث هو الانسان فاعتبره القيمة الاسمى التي تسقط على اعتابه كل العقائد والمعتقدات ، فرفض اللعب على الغرائز وتجييش الروح الجماعية والتنافر والتباعد بين الطوائف والملل ، كما جاهد وما زال واقام الدنيا ولم يقعدها لالغاء عقوبة الاعدام إيماناً منه بانه لا يجوز زهق الروح وهي ملك باريها .
هذه الابعاد الثلاثة ربما تجيب المتساءل عن حديث ابراهيم نجار اليوم عن مقدمة الدستور التي تختزن ما تختزن من فلسفة النظام السياسي وتكرّس ما تكرّس من حقوق وحريات ، أليس هو من كان وراء ادخال سلّة من هذه الحريات العامة في متن الورقة التي اعدّتها لجنة الاصلاح الدستوري التي عيّنتها حكومة الوحدة الوطنية في 20 ايلول 1984 ، وكان في عداد اعضائها، فقامت بعمل رصين ألهم فيما بعد واضعي وثيقة الوفاق الوطني وذلك قبل ان يداهمها عهد الانتفاضات في اوائل ربيع 1985 .
معالي البروفسور ، لن ارتكب هفوة منحكم الكلام ، فقد اعتادت الكلمات أن يكون مرتعها في حضنكم تمتشقونها فترتفع ، المنبر لكـم .
الجديدة في 30/6/2023
المحامي د. رزق زغيب
Inscription à :
Publier les commentaires (Atom)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire