lundi 17 juillet 2023
Ibrahim Najjar, par le professeur Rizk ZOUGHEIB
صاحب الفخامة ،
اصحاب المعالي والسعادة ،
السيدات والسادة ،
لا اخفيكم ان شعوراً من الغبطة ممزوجٌ بشيء من الرهبة تملكني عندما كلفني الصديق العزيز الاستاذ بشارة خيرالله ، فشرّفني ، تقديم معالي البروفسور ابراهيم نجار وادارة هذه الندوة الحوارية ،
ولعلّ مرّد هذا الشعور ما أوتي الاستاذ الكبير من غنى الشخصية ما تعددت معه الوجوه ، ومن اراد ان يتحدث عنه حار في أي وجه يختار ، وكل منها مشرقٌ جذّاب . فهو المحامي واستاذ الحقوق والمؤلف والسياسي ورب العائلة ، مالئ الدنيا وشاغل الناس .
فلا غرّو في القول ان الاستاذ نجار عظيم من أي ناحية أتيناه . وآية العظمة فيه ايمانه بربه وبوطنه وبالانسان . وهي عظمة أتاه اياها من نفخ في أنفه نسمة الحياة كداود يوم قال : "اقمت لك اسماً عظيماً كاسماء العظماء الذين في الارض" .
هو اولاً المحامي الالمعي الذي وقف امام القوس وهو يطّل على العشرين، وما زال يقوم بالرسالة السامية طوال ما يقارب الستين .
دخل الى المهنة في زمن كانت الاعراف والتقاليد والعادات غير المكتوبة تظلل كل ناحية من نواحيها ، فتعطيها منعة ورفعة يدفع للاسف عصر الحداثة رويداً رويداً الى تقهقرها . تدرّج على يد كبار وتدرج على يديه من باتوا كباراً في المحاماة والقضاء . خبر غزارة الكتابة الممزوجة بجمال السجع الادبي مع العلامة ادمون رباط ، وتشرّب الرصانة والدقة القانونية مع النقيب جورج فيليبيدس . وبات على مرّ السنين ، وباعتراف الخصوم قبل الاصدقاء ، سيداً من اسياد القلم وأميراً من أمراء المنبر ، منبر المرافعة طبعاً . اعتاد ان يقارع الحجة بالحجة والفكرة بالفكرة فبات منهاج حياة ، كما دأب على اجتراح الحلول المبسطة لقضايا معقدة ، يسعفه في ذلك رجاحة عقل وسداد رأي وقوة اقناع . وفضلاً عن مرتعه الاصلي ، لم يترك مجالاً لم تطاله لوائحه الا ما ندر . يربح بخفر ويخسر بشرف .
وهو ثانياً البروفسور المجلّي ، استاذ مادة الارث والوصايا والهبات او التبرعات على ما يحلو له ان يطلق عليها من تسمية في كلية الحقوق والعلوم السياسية لدى جامعة القديس يوسف العريقة في بيروت . فبعد ان تُوّج باكليل من غار على أثر مناقشة اطروحته الشهيرة في باريس حول حق الخيار، دخل الكلية مدرّساً لاول مرة سنة 1966 ، يوم كانت حصناً متقدماً ومشعّاً للتراث القانوني الفرنسي في الشرق ، ووحيداً بعد ان دفعت ثورة الضباط الاحرار في مصر كلية الحقوق الفرنسية في القاهرة الى الاقفال . فلم يكن هذا الصرح المجيد يضمّ الا ثلة من نخبة الاساتذة الفرنسيين المظفرين في مباراة الAgrégation ، وقلة قليلة من الاستاذة اللبنانيين المحظيّن الذي طبعوا الحياة الحقوقية في لبنان وتبؤا اعلى المراكز القضائية والمناصب الوزارية كشكري القرداحي وبشارة طباع وقبلهما نجيب ابو صوان وبعدهما أميل التيان وبيار غناجه . فاستقرّ مع كوكبة من الاستاذة الذين عاصروه ، وقدّر لي ان اعاصرهم طالباً ومن ثم استاذاً، فطبعوا الكلية لردح طويل من الزمن بطابعهم ، اطلقنا عليهم لقب انصاف الآلهة وكان عددهم لا يربو عن ثمانية ، منهم ميشال تابت وحسان ثابت رفعت في القانون العام وريشار شمالي وفايز الحاج شاهين في القانون الخاص . وهكذا قضى على منبر التدريس قرابة نصف قرن ، يُطالع ويراجع ويُدبج ويعدّ لطلابه محاضراته التي يلقيها عليهم وهو يجري في حلبة الجامعة جري الفارس الواثق من نفسه ، القادر على جذب انتباه من يصعب جذبه عادة ، مستعيناً بما منّ عليه الله فيه من بلاغة وجلال حركة ، ثم يلتقي الاستاذ وطلابه على مفارق الحياة بعد ان خرّج من بين يديه جحافل محامين ورجال قضاء ، وهم على اعجاب به واقرار بالجميل وهو على فخر بهم واعتزاز.
كما ان علمه الواسع تمخض غزارة في الانتاج الفكري ، فبات مدماكاً من مداميك الفقه القانوني في لبنان ، يذهب بتأملاته الى كتبه واقلامه فيودع اوراقه ثمرات تفكيره ، وقد وضع سيلاً من المؤلفات القيّمة والمقالات والتعليقات والمدوّنات التي حطّ بعضها رحاله في كبريات المجلات الحقوقية الفرنسية ، فانتسب بذلك الى اسطورة الوطن الصغير وساهم في اطلالة وجه بلد الارز على الدنيا مشرقاً ومزهواً .
وهو ثالثاً السياسي المجرّب والوطني الاصيل والوزير الوازن والمتزن ، استهوته السياسة باكراً وكانت في مرحلتها الذهبية في لبنان ، حيث تتصارع على ارضه العقائد ، فيتفاعل معها الناس وينقسمون بين يمين ويسار ، وقد حوّلها التحام الجبل وعصبياته بالمدينة مفجرة الافكار الى حزبيات عابرة للطوائف تتصارع على السلطة وعلى خدمة لبنان . انتسب الى حزب الكتائب اللبنانية المؤتمن في حينه على الكيان والصيغة والداخل الى مرتع الحكم حديثاً من بابه العريض برعاية شهابية واضحة . فحاول مع آخرين ، وهو الارثوذكسي المتمدن ، في خلية النحل التي كانت تشكّله مصلحة الطلاب فيه ان يرفده اسوة بغيره من الاحزاب الجماهيرية المنظمة بعقيدة تغنيه ، مستعيناً ، بوجه الماركسية الرائجة والزاحفة بفلسفة Emmanuel Mounier عن الشخصانية. خبر الاعيب السياسة وعايش اساطينها ، كما تمرّس على الانضباط ، فبات جزءاً من شخصيته واسلوب عمله رافقه في الميادين كافة ، الا ان خلفيته الحقوقية لم تجعله يطغى على تقديسه الحرية . هذه الخلفية جعلته ايضاً مبدئياً في السياسة لا يناور ولا يساوم في حبّ الوطن وفي ما اعتبره من الاساسيات . مبدئيته هذه جعلت قدماه لا تطأ ابداً ارض الوطن السليب على غرار زملاء له في النضال لأيمانه بأحقية القضية المركزية وبانتماء لبنان العربي ، كما لم تجعله ابداً في المقابل يردد مع القائلين ، وهم كُثر : "أحب دمشق هوايَ الارقَ"، فلم يعرف ساحة الامويين وقصر المهاجرين يوم كانت تُسمع فيها طقطقة الرؤوس لرؤية بطل تشرين ومحاور كيسنجر الدي لا يلين .
وعندما انزوت العائلة واشاح الله وجهه عن الوطن لبرهة من الزمن ، ترك ابراهيم نجار حزبه الى غير رجعة ، وبقدر ما استهواه الجدل النظري بقدر ما كان يحاذر دخول لعبة المناصب التي كادت تطاله بشباكها مرات عديدة منذ العام 1973 . الا ان الحذر لا يفيد من قدر . آثر مثله مثل جمع من ابناء طائفته ان يكتفي بدور اصغر من طموحاته واكبر من ان يرفض . فيه شيء من صرامة نسيم مجدلاني ووهج حبيب ابو شهلا وموسوعية شارل مالك ورصانة فؤاد بطرس ومهنية ايلي سالم وكوزموبولية غسان تويني ، فصّح فيه ما قاله عن هذا الاخير كريم بقرادوني بانه "يعدّ نفسه أهم من كل فريق الحكم مجتمعاً ويوحي انه متفوق على الكل ومعلم الكل وانه غير مقتنع باحد ، هو قادر ان يحوّل وزارته مهما كانت أهم من كل الوزارات . ومستعدّ ان يكون نائباً فيصير مجلس النواب في نظره سلطة اكبر من سلطة الحكومة . ويرضى ان يكون ولو مختاراً في قرية ، فتصبح المختارية مهمة وطنية والقرية عاصمة" كثيرون يأنسون برأيه ويثقون بنافذ بصيرته .
تولى وزارة العدل في العام 2008 لقرابة الثلاث سنوات ، الوزارة السيادية الخامسة والاولى في المكانة والتشريفات . أتت اليه ولم يسع اليها ، فشرّف من سماه دون ان يندمج فيه حتى الامحاء محافظاً على قدر من الاستقلالية والحرية جاعلاً اياها فوق أي اعتبار . أبى ان يكون فقط وزيراً على مبنى وزارة العدل على ما هو جار في هذه الايام نتيجة تفسير ملتو لمبدأ فصل السلطات . فأبعد الانقسامات عن الجسم القضائي وشكّل درعاً حامياً له ورعى بحنكته وترفعه وهيبته انجاز تشكيلات قضائية رأت النور ووجدت طريقها الى النفاذ بعد سنوات من التعطيل والمماحكات والكيديات . كما أمنّ استقلالية القضاة المادية متجاوزاً تحفظات الممسكين بالخزانة وأقرّ سلسلة رتب ورواتب تليق بمن يتولى سلطة من سلطات الدولة .
في كل هذه الوجوه المتنوعة ، يبقى ابراهيم نجار ذو شخصية تمتاز بصفات دائمة وواحدة . فهو لا يعرف الغضب ابداً مردداً مع الشاعر :
لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب ولا ينال العلى من طبعه الغضب
بل يحمل في صدره قلب انسان ما حجرته المادة ولا جففه الغنى فأبطره.
كما مَنّ عليه الله بنعمة التحمّل والصبر وقد ألمّت به كما سائر البشر ملمات عديدة اشدّها مرارة بعد اختطاف واغتيال عمه حادث السير المرّوع الذي تعرّض له مع زوجته الفاضلة اثناء توليه الوزارة فلم يتذمر يوماً ولم تغادر البسمة وجهه ابداً عاملاً بحكمة ابو ذؤيب الهذلي :
وتجلدي للشامتين أُريهمُ أني لَرَيبِ الدهر لا أتضعضعُ
ويبقى أن ابراهيم نجار مولع بثلاث :
ـ الاولى هي الجمال كيفما تمظهر فألمّ بالفنون السبع قاطبة مع تفضيل واضح لفن الرسم وللأدب حيث للكلمة موقع خاص لديه ، جبلها فجبلته .
ـ والثانية هي الحرية التي من اجلها ضحى بمناصب ومراكز كثيرة رافضاً الانخراط في بوطقات قاتلة ، كما لجأ الى قلم المحامي والمؤلف والى ما أوتي من فصاحة وقدرة اقناع للدفاع عنها حيثما دعت الحاجة ، كما خصص لها عنوان مؤسسته الرائدة "ثقافة وحريات" culture et libertés الذي ما برح يجهد في تنظيم لقاءاتها الدورية ويبذل في سبيلها الغالي والرخيص والعناية والدراية اللازمتين فباتت واحة في صحراء قاتلة للعصف الفكري ولتلاقي اهل العلم والقلم والسياسة والابداع .
ـ والثالث هو الانسان فاعتبره القيمة الاسمى التي تسقط على اعتابه كل العقائد والمعتقدات ، فرفض اللعب على الغرائز وتجييش الروح الجماعية والتنافر والتباعد بين الطوائف والملل ، كما جاهد وما زال واقام الدنيا ولم يقعدها لالغاء عقوبة الاعدام إيماناً منه بانه لا يجوز زهق الروح وهي ملك باريها .
هذه الابعاد الثلاثة ربما تجيب المتساءل عن حديث ابراهيم نجار اليوم عن مقدمة الدستور التي تختزن ما تختزن من فلسفة النظام السياسي وتكرّس ما تكرّس من حقوق وحريات ، أليس هو من كان وراء ادخال سلّة من هذه الحريات العامة في متن الورقة التي اعدّتها لجنة الاصلاح الدستوري التي عيّنتها حكومة الوحدة الوطنية في 20 ايلول 1984 ، وكان في عداد اعضائها، فقامت بعمل رصين ألهم فيما بعد واضعي وثيقة الوفاق الوطني وذلك قبل ان يداهمها عهد الانتفاضات في اوائل ربيع 1985 .
معالي البروفسور ، لن ارتكب هفوة منحكم الكلام ، فقد اعتادت الكلمات أن يكون مرتعها في حضنكم تمتشقونها فترتفع ، المنبر لكـم .
الجديدة في 30/6/2023
المحامي د. رزق زغيب
Ibrahim Najjar. Entre choix et destin, par Dr Alexandre Najjar
Ibrahim Najjar entre choix et destin
OLJ / Par Alexandre NAJJAR, le 06 avril 2023 à 00h00
D.R.
L’intérêt des autobiographies est qu’elles nous dévoilent souvent des destins hors du commun et nous renseignent sur des époques révolues dont l’auteur fut le témoin. L’ouvrage en arabe du professeur Ibrahim Najjar, intitulé Le Choix et le Destin, est de ces livres-là, puisqu’il retrace le parcours de l’éminent avocat et universitaire, tout en nous racontant des épisodes connus ou méconnus de l’histoire contemporaine du Liban.
L’auteur commence par remonter aux origines de sa famille, puis évoque le divorce de ses parents, sa scolarité à ‘Antoura, son installation à Beyrouth, la faculté de droit et le « salon » culturel qui réunissait les étudiants de l’époque, le voyage en France, la soutenance de sa thèse de doctorat, ses débuts dans « le beau métier d’avocat », l’influence de cheikh Pierre et son militantisme, le conflit libanais et ses épreuves douloureuses, la collaboration avec Bachir Gemayel, le mandat du président Amin Gemayel, les accords de Taëf, jusqu’à sa nomination comme ministre de la Justice de 2008 à 2011, et la création de sa fondation culturelle, prolongement logique de sa passion pour les arts. Son style alerte, son sens de la formule et la précision de ses observations font qu’on suit son itinéraire avec beaucoup d’intérêt.
Au terme de ces Mémoires que le professeur Najjar clôture par un « Non, je ne regrette rien », emprunté à Edith Piaf, on sort admiratif devant cette vie bien remplie où il a fallu faire des choix déterminants, parfois contrecarrés par le destin, et où droit, patriotisme et culture ont toujours fait bon ménage. Et c’est avec le même enthousiasme que l’on se plonge dans le second volume du même auteur, intitulé Au Palais de Justice, où le professeur Najjar s’attarde sur son parcours de juriste, égrène ses souvenirs au Palais, et nous transmet ses conseils pertinents et ses réflexions enrichissantes concernant les différentes facettes du métier d’avocat, en partant de sa propre expérience.
Dans un poème des Contemplations intitulé « Veni, Vidi, Vixi », on peut lire ces vers éloquents :
« Je n’ai pas refusé ma tâche sur la terre.
Mon sillon ? Le voilà. Ma gerbe ? La voici.
J’ai vécu souriant, toujours plus adouci,
Debout, mais incliné du côté du mystère. »
En faisant le bilan (provisoire) de sa vie, Ibrahim Najjar a admirablement illustré ces vers de Victor Hugo.
Al-Khayaar wal-kadar (Le Choix et le Destin) d’Ibrahim Najjar, 2023, 734p.
Fi qasr al-‘adel (Au Palais de la Justice) d’Ibrahim Najjar, 2023, 303p.
COMMENTAIRES (2)
Bravo, Mr Najjar d’avoir eu le courage de vos opinions et d’écrire une autobiographie que vous clôturez par: « non, rien de rien, je ne regrette rien… » Nul ne peut nier votre culture, votre érudition et votre expertise dans le domaine juridique ainsi que votre sens moral même parmi vos détracteurs! Mais combien de vos contemporains politiciens et hommes de loi que vous avez côtoyé oseraient écrire leurs autobiographies sans faire de mea culpa sur leurs erreurs du passé, leurs combines ou leurs compromissions criminelles et qui ont mené à la catastrophe nationale que nous vivons?
Saliba Nouhad
16 h 26, le 10 avril 2023
Entre Histoire et autobiographie, par M. Henri Zgheib
الأوتوبيوغرافيا بين الشخصي والتأريخي
بقلم هنري غيب ــ النهار ــ السبت 5 تشرين الثاني 2022 ــ الصفحة 6
بين أَكثر الأَنواع الأَدبية رَواجًا: كتُب السيرة (البيوغرافيا)، لمتعة ما فيها من اكتشاف حنايا خاصة وشخصية قد لا يعرفها القراء من النص العادي، شعره أَو النثر.
وبين أَحبّ الحنايا في هذا النوع الأَدبي: كتُب السيرة الذاتية (الأُوتوبيوغرافيا)، على صعوبة ما فيها من تضييق المسافة والمساحة بين إِغراء “أَنا” الكاتب الشخصية، وسرد الحقيقة الموضوعية، لا الـمُتَخَيَّلَة، حين يكون النص مرآةَ الكاتب الذاتيةَ الحميمةَ (“سبعون” نعيمة و”أَيام” طه حسين نموذجًا). على أَن الأُوتوبيوغرافيا تصبح وُثقى، شخصيةً وموضوعيةً معًا، حين يُزوِّدها الكاتب بوثائق دامغة تؤَكد قَوْلته أَو تفصيله، فتكون عندها مزدوجةً: سيرة الكاتب ومسيرة عصره.
من هذا النوع العالي القيمة ورَدَني هذا الأُسبوع أَثران قيِّمان:
1ـ “الخيار والقَدَر” للبروفسور ابرهيم نجار. هوذا كبير من لبنان يفتح سِفْره الغالي (734 صفحة حجمًا كبيرًا) ليرسم خارطةَ حياة لاخاليةً من مطالع كفاح ومقالع نجاح. لم يشأْهُ “تاريخًا” ولا “تأْريخًا” بل أَراده “كتاب مذكرات”، و”عرضًا شخصيًّا يلامس الرواية”. وأَوضح أَنه سلسلة “مشاهداتي وأَحداث رافقْتُها في مسار الالتزام الوطني”. وكم كبيرًا وراقيًا ونبيلًا كان الْتزامُه الوطني، مناضلًا ومحاميًا ووزيرًا، وفي كل مفصل من حياته الثرية منعطفٌ كثيفٌ أَنقذَتْه فيه شخصيتُه التي، بكل عجَب، بين الحزم والدماثة، في مراعاةٍ أَخلاقيةٍ “خصوصيةَ” بعضِ من ورَد ذكرهم في الكتاب. ومن خلال كثيف الذكريات، بدءًا بالطفولة فاليفاع وما تلاهما، خرَج إِلى الشمس بأُطروحة “الخيار” والصلاحيات الإِرادية (بين مساره القانوني ومراحل سنيِّه المثقَلة بالجنى المبارَك)، زاوَجَها بـ”القدَر” (“تَلاحُق أَحداثٍ وفق علاقة سببية”). وبتقديره أَن “القدَر نقيضُ الصدفة” ترك لنا فُسحةَ فرصةٍ غالية في كتاب بحجم “القَدَر” نتلقَّاه خارج “صدفة” البناء الوطيد: بناءِ وطنٍ نتعلَّم كيف نبنيه متينًا ساطعًا واثقَ المستقبل كما تَقَطَّرَ من قلَم ابرهيم نجار.
2ــ ”أَيام الصفاء والضوضاء” للرئيس الدكتور غالب غانم. هوذا مسؤُول كبير يدلي بشهادته في محكمة الضمير (494 صفحة حجمًا كبيرًا – منشورات “دار سائر المشرق”). في دقة القلَم الدؤُوب مُطَرَّزًا بجماليا الكلمة، نسَج الأَديب الرئيس أُوتوبيوغرافياهُ بِـحِرَفية عالية، بدءًا من تدوين الوالدة يمامة (“مي” شاعر “العندليب” الغالية أُمّ جورج) تواريخَ الأُسرة “بخطِّها المتناسق” على إِحدى دفتَي خزانتها، إِلى النشْأَة في ظل الكبير “المعلِّم عبدالله” (الوالد الشاعر الرائد) وسْط إِخْوة شعراء وساطعين، في تلك البسكنتا المتوَّج صنِّينُها بكواكب الأَدب اللبناني، إِلى الدراسة في كوكب “الحكمة”، إِلى أَقواس المحاكم قاضيًا في بياض الضمير تحت الرُوب الأَسْوَد، إِلى رئاسة مجلس شُورى الدولة، إِلى رئاسة مجلس القضاء الأَعلى، إِلى رئاسة منظَّمة محاكم التمييز الفرنكوفونية، وبينها جميعًا وقفات منبرية بنبرة أَدبية من أَعلى ما يمكن أَن يطاله قلَم في يد أَديب متمكِّن. ويَرفدُ الرئيسُ المسؤُول صفحاتِه بوثائقَ تَنْقُل سِفْرَه، صفاءَهُ وضوضاءَه، من ذكريات إِلى شهادات، ومن مذكِّرات إِلى مفكِّرات، ما يجعله مرجعًا يعاد إِليه تاريخًا وتأْريخًا.
بعضُ الأُوتوبيوغرافْيَات شخصيٌّ لا يعني إِلَّا صاحبه وحفنة مريدين (إِذًا ما أَهميَّتُه؟)، وبعضها غيريٌّ يَروي حقْبة من سيرة صاحبه في مسيرة الوطن (وهنا أَهميَّتُه). في هذا الميزان بالذات يسطع “الخيار والقدَر” ورفيقُهُ “أَيامُ الصفاء والضوضاء”.
ليس نَصي هنا قراءةً مضمونَ هذين الكتابين الجليلَين بل إِضاءةٌ بسيطة عليهِمَا لهدف محدَّد: كيفية تأْريخ مرحلة راهنة دقيقة من تاريخ لبنان الحديث، يكتبُه رجُلان تبوَّآ ناصِعَين أَعلى المسؤُوليات بين قلَّةِ مَن أَسهموا بنصاعةٍ في صنع هذا التاريخ.
يَسْلَمُ هذان القَلَمان العلَمان.
Un homme d'Etat et de droit par excellence, par Dr Rana Chaaban
قدرة رجل دولة وقانون بامتياز
رغم إعجابي الشديد بأبو العلاء المعري، لم أعد أشاركه الرأي القائل "إثنان أهل الأرض: ذو عقل بلا دين وآخر ديِّن لا عقل له" منذ معرفتي البروفسور إبراهيم نجار.
وقراءتي مذكّراته أكَّدت لي بصورة حتمية أن هذا الرأي خاطئ.
في السيرة الذاتية للوزير السابق البروفسور إبراهيم نجار "الخيار والقدر"، نرافق المؤلف مختلف حقبات حياته وذلك من خلال سبعة أقسام تبدأ بـ"الطريق الى الإنوجاد" لتنتهي بـ"الصحراء في نفق" ويستوقفنا التلاؤم بين حياة المؤلف من جهة ومصير هذا الوطن الذي آمن به من جهة أخرى إذ نشأ إبراهيم نجار حالماً يهوى الشعر في كنف وطن قال أنه "مختبر الحلم"، فنتعرف عليه منذ الطفولة حتى رجل الدولة الذي حارب التقسيم كونه "تهديد يومي للمصير المسيحي" وآمن بلبنان الوطن الجامع مهما كانت الصيغة. وبين هاتين الحقبتين، يجعلنا المؤلف نختبر تجربته المرَة في مدرسة عينطورة الداخلية. وفي الحب، نقرأ دواوين شعره الكئيب في أميون (les béatitudes”")، لينقلنا منها الى فرنسا حيث تابع دراسات الحقوق، ويعيدنا بعدها إلى لبنان ليطلعنا على مرافعاته اللامعة كمحامٍ مميز، ومحاضراته الجامعية المثمرة كبروفسور في القانون، وموافقه الشجاعة كرجل سياسي مخلص لمبادئه.
ويسرد البروفسور نجار سيرة حياته الذاتية مستعرضاً معها تاريخ لبنان الحديث وفقاً لما عايشه، معززاً إياها بالمراجع العديدة منها الأدبيــة (Kipling) والقانونيـــــــة (Planiol et Ripert) ومنهـــــــا الفـلسفيـة (Schure, Camus, Socrate) وحتى اللاهوتية، ما يجعل هذه المذكرات فريدة من نوعها مثلما جعلت الثقافة والمعرفة من إبراهيم نجار رجل قانون فريداً من نوعه.
ما أثَرني شخصياً عند قراءتي، هو هذا الطفل الذي قيل له أن والِده لم يعترف به وأنه يدْعى "إبراهيم يزبك"، هذا المراهق الذي "ترعرع لوحده" متروكاً " للشتاء والعواصف والصواعق والزمهرير"، فانكبَ أولاً على القراءة والكتابة والشعر ومن ثمَ تمرَد: فهرب من مدرسة عينطورة الداخلية، متسلقاً الجبل وصولاً إلى دار جدِه بثقة وعزيمة، مثلما تغلَب بعدها على صعوبات الحياة وتصدى للتحديات.
ولكن ما أثار إعجابي لا بل دهشتي قدرة هذا المراهق أن ينتفض بدلاً من أن يكتئب، أن يجد نفسه عبر مسار مهني استثنائي بدلاً من أن يتوه، أن يضع مبادئ حياتية فريدة عوضاً عن أن يتبع المسلك الأسهل، فاستعاد إسمه، واختار انتماءه المذهبي، وانتقى مساره السياسي، وصنع حاضره، وهيَأ لمستقبله لدرجة يُسمح لنا تسمية هذه السيرة الذاتية “الخيار والقدرة" عوضاً عن "الخيار والقدر". أليست قدرة هذا الشاب الذي ألف الشعر في أميون الموحدة، مخاطباً نفسه ("أريد المجد وسأصل إليه"je veux la gloire, je l’aurais)، مركزاً على فعل الإرادة الذاتية، هي التي مكَنته من نحت كيانه وتوجيه قدره والتغلب عليه؟
رنا شعبان
دكتورة في الحقوق- أستاذة محاضرة
لدى جامعة دو مان الفرنسية
محامية لدى محاكم بيروت وباريس
L'Histoire écrite en langage juridique, par M. Samir Atallah
to me
"سرد التاريخ في لغة القانون"
افتتاحية النهار – 11 كانون الثاني 2023
سمير عطالله
"الموقف شيء صغير يحدث فرقاً كبيراً"
تشرشل
تعوّدنا مع السنين الطويلة ان وضع كتاب عن تاريخ لبنان امر شاق ومعقّد وصعب وشبه مستحيل. غير ان كثيرين يرفضون التسليم بهذا الرأي، أو الرؤية، ويصرّون على التوصل الى كتاب مدرسي موحّد يقرأه الاطفال ويحفظه اليافعون ويقبله الجامعيّون ولو على مضض. كاتب هذه السطور من الفئة الأولى. فالوطن المسمى لبنان، مرة كبيراً ومرة صغيراً. قائم في تاريخ، متحارب وفوق جذور متقاتلة، وهو على صغره يمثل التناقضات الأكثر عمقاً في البشرية. أرض موزعة ما بين المسلمين على مذاهبهم، والدروز على منابعهم، والمسيحيين على احزانهم وشقاواتهم، لذلك، الأفضل للجميع بقاء الوحدة السياسية ولو ضعيفة، على توحيد الثقافات، ولو ثابتة. وأنا من الذين يفضلون التكاذب المؤدّب والمهذّب على صراحة الفجور ووقاحة الاغبياء والرغبات المريضة، التي تظهر في كل الاوقات على شكل مقترحات سقيمة، فارغة، خالية من اي مشروع قابل للحياة.
"الخيار والقدر" للدكتور ابراهيم نجّار، احد اجمل وارقى وأصدق الكتب التي أَرَّخت للبنان الحديث، وفي صورة خاصة للمرحلة التي بدأت مع #حرب 1975 ولم تنتهِ حتى الآن، ولا يبدو انها ستنتهي قريباً. كان ابراهيم نجار، الوزير والاستاذ الجامعي والخبير القانوني، في قلب القدر وفي قلب الخيار. وقد اختار، بعكس ما توحي به بيئته، الانتساب الى حزب الكتائب والبقاء فيه، فيما تخلّى عنه كثيرون، منهم من خرج عليه، ومنهم من اكتفى بالخروج منه. هوية الرجل معقدة مثل الوطن الذي أحبّ. فهو ماروني الولادة، ارثوذكسي الانتماء، شمالي من طرابلس والكورة، علماني تتلمذ عند الرهبان في عينطورة، بورجوازي اقرب الى الثراء، وعمّالي بقدر.
في سيرته الذاتية يروي ابراهيم نجار سيرة لبنان والساعات الرهيبة التي لا يزال يتداولها الخوف، ويتناوبها اليأس وتواري الآمال. كتب هذه السيرة بدقة رجال القانون، واكاد اقول بدقة "الكتّاب العُدول"، فما من تفعيل يمكن اعتباره بسيطاً أو عَرضيّاً. كل شيء في الجوهر وفي الأساس، ولكن كل شيء ايضاً في موضوعية مذهلة بالمقارنة مع ما صدر من كتب ومؤلفات وتحليلات ومحاضرات ودراسات، حول هذه المرحلة البادئة مع الاستقلال.
خلافاً للقاعدة شبه العامة التي سخر منها جورج برنارد شو بقوله "#التاريخ يعرف جيداً كيف يكذب"، فإن التاريخ عند ابراهيم نجار يُشبه الى حد بعيد سر الاعتراف. فهو لا يترك شيئاً دون ذِكر، ولا مسألة دون رأي، ولا حواراً أو لقاء دون وثيقة.
بذلك تبدو استعادة التاريخ مزيجاً من متعة القراءة ونضارة السرد. في الوهلة الأولى تعتقد ان الرجل يكتب عن اشياء تعرفها ومررت بها ومرت بك. ثم تكتشف انك على خطأ وأن لديه ما يروي مما لا تعرف عنه شيئاً. سواء في الأحداث أو في الرجال، أو في كليهما. وهو كعضو في المكتب السياسي لحزب الكتائب عاش المراحل الصعبة والمتحوّلة، من داخل البيت. وكان قريباً، على ما يبدو، من جميع افراد "العائلة المقدسة": الشيخ بيار الأب، ومن ثم الرئيس بشير الجميل، الذي اغتيل قبل ان يقسم اليمين الدستورية، ومن ثم الرئيس أمين الجميل الذي تم التوافق آنذاك بين قادة المسلمين والمسيحيين على ان الرئاسة يجب ان تؤول اليه. في هذه الساعات بالذات يكشف ابراهيم نجّار سراً آخر من الاسرار التي أطلعه عليها حليم معماري، المستشار الشرقي في السفارة الاميركية، إذ قال له ذات يوم ان بشير الجميل هو الرئيس المقبل، لكنه سوف يُقتل قبل موعد الرئاسة، وان الشياطين التي تتربص به افلتت من عقالها.
منذ اللحظة الأولى لاندلاع حرب 1975 كانت لدى ابراهيم نجار قناعة بأنها ليست حرباً بين المسيحيين والفلسطينيين وإنما (اصبح لبنان ضحية) ازمة شرق اوسطية تتداخل فيها عناصر اقوى بكثير من ضعف البلد الصغير وقدرته على مواجهة البراكين المتفجرة من داخله ومن حوله. كما اعتقد بأن الحرب اللبنانية لم تكن يوماً نزاعاً طائفياً، وإنما تَصارُع نفوذ وحرب بالواسطة "بأدوات لبنانية على أرض لبنانية".
لا يصدق ان الحرب كانت لبنانية في اي وقت. إنها حرب دولية بكل تأكيد. ولكي يُثبت نظريته حول الحرب الدولية يقول: "كلما أتى هنري كيسينجر، وكوف دو ميرفيل، ودين براون، في فترات متباعدة قبل الحرب. وفي سنيها اندلعت جولات القتال واحدة بعد الأخرى.
كلما جاء واحد من هؤلاء وسواهم من وزرائهم، ولسبب لم نكن نعرفه، نجد ان هذا الفريق في الحرب اللبنانية، أو ذاك، يتضرر من الزيارة، فيفجّر الاوضاع الداخلية. مرة عبر اسرائيل، وأخرى عبر سوريا، وثالثة يتولاها الفلسطينيون انفسهم". ويكشف عن اعتقاده بأن بشير الجميل كان قد بدأ الاتصال بالاسرائيليين، وأن الاميركيين كانوا يعارضونه في ذلك بعنف. ويروي ان المستشار الأول في السفارة الأميركية كان يُكثر في الانتقاد لبشير، وحاول تقييد حركته، "ورأى في تصرفات القائد الشاب الكثير من الغباء السياسي والمغامرة والتهور العسكري". ويروي ان المستشار مورهد كينيدي زاره في مكتبه وهو في حالة عارمة من الغضب وقال له وعيناه جاحظتان: "اريد أُن اُبلغ إليك مسألة اتمنى ان تثار. على بشير الجميل ان يصمت". يسأله ابراهيم نجار لماذ لا تقول له انت ذلك؟ فيجيب: "الادارة الاميركية تعتبره شخصاً غير مرغوب فيه".
يعتبر المؤلف ان الحرب الاهلية لم تبدأ في عين الرمانة وإنما بدأت قبلها بشهرين في صيدا عندما قامت تظاهرة اصيب فيها النائب معروف سعد، الذي عاد وتوفي بسبب الجرح البالغ. وما لبث ان قام في البلد مشهد سياسي واضح الملامح "ومثير للقلق". المسيحيون مسلّحون، ومعهم الجيش، والفلسطينيون مسلحون ومعهم المسلمون". لكن الأدهى كانت النزاعات المسيحية - المسيحية، التي تفجرت في تلك المرحلة من البداية الى النهاية. بسبب علاقته العائلية مع بيت فرنجية، يقدم رواية اكثر دقة عن المجزرة التي ضربت اهدن وراح ضحيتها النائب طوني فرنجية وزوجته وابنته. ويطرح الكثير من التساؤلات حول تلك المجزرة بعد أن يروي اسبابها على اثر مقتل المسؤول الكتائبي جود البايع. ويرى ان المسيحيين انفصلوا منذ ذلك اليوم الى فريقين، هما: مسيحيو الشمال والمسيحيون الآخرون. ويعوّل على دور فرنسا في الازمة الراهنة معتبراً انها لن تتخلّى عن لبنان، ومتخوفاً في الوقت نفسه من بعض المواقف التقسيمية التي ظهرت في الآونة الاخيرة، خصوصاً تحت ستار الدعوات الى الفيديرالية واللامركزية وغيرهما من مسمّيات شاعت عشية الحرب. ويقول ان هذه الموجة من الفكر السطحي والتفكير القروي، عادت اليوم الى الظهور على نحو متواتر ومتوتر. والمأساة كانت دوماً هذا النوع من المتسلطين على الخيارات والأقدار.
متعة سيرة ابراهيم نجار، لكنها ليست فرحاً. بالعكس، هي سيرة احزان لا نهاية لها، مثل تغريبة بني هلال. وهي حكاية اخفاق تراجيدي قائم الفصول قاتم الخواتم. مسيحيون يسعون الى شرعة جذورهم في الشرق، يسرق احلامهم المدَّعون والمزيّفون ووحوش الطمع. ربما لا يدري انه قدّم لنا عرضاً مسهباً لنموذج اللبناني المحظور الوصول. كل ما فيه سبب لرفضه. علمه وخلقه وترفّعه واستنكار العنف والعداء والضغينة.
"الخيار والقدر" شهادة مريعة على ما فعله الآخرون بلبنان، وعلى ما فعله به اللبنانيون، أو حَمَلة الهوية، مباعة أو مشتراة!..
A propos du livre Al khyar wal kadar, recension par le professeur Nasri Diab
Prof. Nasri Antoine DIAB
Le 1er mai 2023
Ibrahim Najjar – « J’ai plus de souvenirs que si j’avais mille ans »
(à propos de l’ouvrage du Professeur Ibrahim Najjar:
« Al Khayar wal Qadar », Beyrouth, 2023)
par le Professeur Nasri Antoine DIAB
Le professeur Ibrahim Najjar vient de publier ses mémoires, en langue arabe,
« Al Khayar wal Qadar » (Beyrouth, 2023). Dans le titre se dessinent déjà les
infinies possibilités qu’il a passé sa vie à explorer et que les 750 pages de ce
gros volume décrivent de manière aussi passionnée que passionnante : « al
Khayar » est le choix, mais aussi l’option (qui a été la base de lancement de son
immense oeuvre juridique) ; « al Qadar » est le destin, la Providence comme il
s’en explique dans son introduction. Libre arbitre (choix) et déterminisme
(providence), voici les deux branches de « l’option » que l’auteur propose, en
suivant le schéma tracé par les anciens, notamment Saint Augustin. Ses
mémoires bordent les « 70 » (« Sab’oun ») de Mikhail Naimeh : « 50 » années,
compte-t-il, d’enseignement du droit ; et « 80 », pour le temps écoulé depuis
« les racines » (titre du premier chapitre).
Le professeur Najjar aurait pu s’abstenir d’écrire ses mémoires : nous sommes
sa mémoire, vivante. Comme Baudelaire, mais sans le spleen, il a plus de
souvenirs à raconter que s’il avait mille ans. Certains juristes se contentent de
creuser, toute leur vie, un sillon unique, entamé avec leur thèse de doctorat et
rabâché à longueur de carrière ; de très rares juristes labourent un large champ
fertile dont se nourrissent des générations entières. Ibrahim Najjar est de ceux-là,
un polymathe du Droit. Mais la lecture de ses mémoires éclaire nombre de ses
choix personnels, juridiques et politiques. Ainsi, par exemple, le chapitre intitulé
« Paris », qui décrit son séjour, à partir de 1964, dans la capitale française,
évoque De Gaulle et Malraux qu’il a entendus parler lors de l’entrée au Panthéon
de Jean Moulin « avec (s)on terrible cortège » ; Paris qu’il retrouvera en 1989, et
où il s’installera avec sa famille lors des combats fratricides qui ont déchiré le
Liban. Il décrit ses premières armes dans les sections estudiantines Kataeb, à la
mise en place desquelles il a activement participé ; il parle de ses articles dans
« Al Amal » et de ses interventions à la « Voix du Liban » (que j’écoutais), de son
rôle au sein du Bureau politique du parti, de sa relation avec Bachir puis Amine
Gemayel, de sa position à l’égard de l’accord de Taëf. Autant d’étapes
personnelles qui coïncident avec des phases majeures de l’histoire nationale.
2
L’immense oeuvre doctrinale
Sa production doctrinale, entamée en 1965, avec un mémoire de D.E.S. soutenu
à la Faculté de droit de l’Université Saint-Joseph sur « Les effets du mariage sur
la nationalité des époux en droit libanais », s’étale sur près de soixante ans (il
aurait dû ajouter « 60 » à ses « 50 » et « 80 »), le menant du droit patrimonial de
la famille (ses deux ouvrages sur les successions et les libéralités, sont des
classiques) à l’arbitrage, en passant par le droit intercommunautaire, le droit
bancaire et financier, sans oublier son apport majeur à la terminologie juridique,
dans le monde arabe, grâce au « Dictionnaire juridique » qu’il avait initialement
publié avec Y. Chellelah et Z. Badaoui (huit éditions en ont été tirées) et qu’il a
ensuite refondu, seul, en 2005.
Dans chacune de ces branches du droit, ses publications deviennent très vite
des références incontournables, aussi bien au Liban qu’en France. Qu’une
même personne publie des rubriques de droit français dans l’Encyclopédie
Dalloz (Donation ; Donation entre époux ; Pactes sur succession future ;
Disposition à titre gratuit), et de droit libanais, notamment dans la revue de la
Faculté de droit de l’USJ « Proche-Orient, Etudes Juridiques » (POEJ) ; que sa
langue arabe soit aussi élégante que sa langue française ; que cette même
personne soit citée des dizaines de fois dans les notes de l’édition Dalloz du
Code civil et par la doctrine française, ainsi que dans de nombreuses décisions
judiciaires libanaises ; qu’elle soit durant plusieurs dizaines d’années le rédacteur
en chef de la revue POEJ et le correspondant étranger de l’incontournable
Revue Trimestrielle de Droit Civil française, auquel tout juriste digne de ce nom
se doit d’être abonné quelle que soit sa spécialisation ; qu’elle ait enseigné à des
milliers d’étudiants les complexités des règles des successions dans le droit
multiconfessionnel libanais, mis en place le D.E.A. de droit bancaire et financier
de la Faculté de droit de l’USJ, présidé des dizaines de jury de thèses et de
mémoires, ainsi que la Section de droit privé de la Faculté (où j’ai eu le plaisir de
l’assister en tant que vice président) ; qu’elle ait aussi donné des consultations,
présidé des tribunaux arbitraux, publié la « Revue Libanaise de l’Arbitrage Arabe
et International » (qui en est à son 86ème numéro, et que sa fille Nathalie, grande
spécialiste de la matière, dirige depuis quelques années avec beaucoup de
succès) ; ceci relève du véritable tour de force. Dans ses mémoires, le
professeur Najjar rappelle, ce que les lecteurs ont souvent tendance à oublier,
que chaque publication est le résultat de très longues heures de réflexion et de
travail. Et, pour le bibliophile que je suis, il parle de sa grande bibliothèque, avec
une pointe d’amertume : les livres, dit-il, ressemblent à des peintures surannées
que Google a détrônées.
Sa thèse sur « Le droit d’option, contribution à l’étude du droit potestatif et de
l’acte unilatéral », couronnée par la Faculté de droit de Paris et publiée en 1967
avec le concours du C.N.R.S., lui a permis de naviguer avec succès dans les
méandres du droit civil, avant de s’attaquer au droit bancaire et financier en
publiant, par exemple, en France, en 1993, un article consacré à « La couverture
du marché à terme » et, en 2000, un commentaire d’arrêt sur la « Couverture et
3
responsabilité dans les opérations spéculatives », les mécanismes de droit civil
de l’option servant de soubassement à divers mécanismes de droit financier. Et
quand, en 1996, le parlement libanais a promulgué la loi n°520 sur le contrat
fiduciaire, et que ses confrères se sont contentés d’intervenir à des colloques,
Ibrahim Najjar a très vite publié un ouvrage sur la question. Sa curiosité étant
insatiable, il a aussi rédigé une étude sur la « Sharia » et le trust anglo-saxon,
publiée, en 2006, à Londres dans un recueil sur les « offshore jurisdictions ».
Ce faisant, il est devenu une référence en matière de planning successoral, en
maîtrisant toutes les matières concernées: trust ; fiducie ; successions ;
libéralités ; droit intercommunautaire ; droit international privé ; droit bancaire.
L’essentiel de ses articles a été regroupé dans trois gros volumes publiés, en
2016 aux Editions de l’Université Saint-Joseph : « Ecrits de droit privé », deux
volumes en langue française (droit libanais et droit français) et un en langue
arabe. Un simple survol des tables des matières suffit à révéler l’inégalée
richesse de sa pensée juridique. La lecture de son introduction à cette trilogie, où
il présente les articles qu’il y rassemble, contenait déjà la genèse de son oeuvre,
ses relations avec ses maîtres et ses collègues ; un avant-goût appétissant de
ses mémoires qui viennent de paraître.
Le juriste engagé dans la vie de la cité
Mais Ibrahim Najjar n’est pas seulement (très grand) juriste ; il est aussi
l’exemple du juriste engagé dans les affaires de la cité. Non pas seulement en
tant que « spectateur engagé », à l’instar de Raymond Aron (qu’il cite d’ailleurs),
mais comme acteur actif de la vie politique, militant contre la peine de mort,
occupant le poste de ministre de la Justice au moment très sensible du
démarrage du Tribunal Spécial pour le Liban (2008-2011). C’est beaucoup pour
une seule vie.
Son sens de l’humour très « British », qui est illustré dans tous ses propos,
transparaît aussi dans ses écrits et parfois dans leurs titres : « Le mari, la veuve
dormante et le mandataire de gestion de portefeuille » est le titre d’une note
publiée au Recueil Dalloz en 1995 sous un arrêt de la chambre commerciale de
la Cour de cassation française, mais aurait pu être le titre d’une pièce de théâtre.
Sa courtoisie à toute épreuve ne l’empêche pas de placer ses avis tranchés,
démontrant ainsi que la politesse et la rigueur ne sont pas incompatibles.
Toujours prêt à répondre aux sollicitations des étudiants et des collègues, il a
toujours été le premier à ouvrir les voies de la vie académique aux jeunes, en
leur donnant l’occasion de publier leurs premières oeuvres dans la revue POEJ :
il s’agit habituellement des meilleurs mémoires de D.E.S. ou des premiers
commentaires d’arrêt de jeunes chargés de travaux.
4
Sa retraite n’en est pas une ; comment peut-il en être autrement chez un homme
aussi actif et qui a longtemps été très sportif (nous avons été nombreux à souffrir
face à lui, de l’autre côté du filet de tennis): la plume n’a pas tari, les publications
s’enchaînent, mais aussi l’engagement dans la vie culturelle et politique à travers
sa Fondation, dont le local a été choisi en 2006 par son épouse, Marie-Rose, qui
l’a très tôt accompagné sur son long chemin. La « Fondation Culture et
Libertés » s’intéresse à ce qui intéresse son fondateur : l’analyse politique, la
culture, la littérature, les arts. Les conférences enregistrées sur YouTube attirent
un grand monde et assoient encore plus la place du professeur Ibrahim Najjar
dans la cité.
De ses débuts en tant qu’étudiant à la Faculté de droit à la Fondation, que de
chemin parcouru et que de richesses accumulées et partagées.
Nasri Antoine Diab
Professeur de droit, Avocat à la Cour
Un livre indispensable pour comprendre la guerre du Liban, par Dr François Boustany
L’ancien ministre et éminent juriste, le Professeur Ibrahim Najjar vient de sortir un livre événement en arabe Al Khayar wal Qadar dont le titre peut être traduit en français par Le Choix et le destin. D’un style fluide et agréable à lire, cet ouvrage de 748 pages nous plonge dans l’atmosphère de l’âge d’or du Liban, une époque heureuse mais désormais révolue.
Il y a dans ce livre un enfant dont la photo s’affiche d’emblée sur la couverture. Un beau visage angélique au regard triste. Dès les premières pages on découvre que la raison de cette tristesse est une enfance marquée par le traumatisme du divorce de ses parents et des années d’internat dans des conditions spartiates au Collège des Lazaristes à Aintoura.
Soutenu par l’amour de sa famille maternelle et doué d’une fine intelligence et d’une détermination indéfectible, cette enfance malheureuse, loin de l’abattre, lui a servi de rampe de lancement dans la vie et de creuset d’où sortent « les talents purs et incorruptibles comme le vrai diamant » selon la belle formule de Balzac.
A l’instar des grandes biographies qui à travers la vie d’un personnage font vivre une époque, l’autobiographie d’Ibrahim Najjar raconte l’histoire du Liban contemporain. Dans cette grande fresque, ce qui m’a le plus intéressé ce sont les différentes étapes de la guerre de 1975 à 1990. Ecrit par un observateur averti, ce livre est une mine d’informations qui éclaire cette période et un apport précieux à la compréhension du processus politique de désintégration de l’État libanais.
Le point de départ est un Yasser Arafat qui se sert de Kamal Joumblatt et de l’Islam sunnite comme couverture politique pour faire basculer le Liban dans le redoutable conflit du Proche-Orient. La suite est l’œuvre du génie autodestructeur des Libanais !
L’auteur revient sur la séquence, côté chrétien, dont il a été un témoin privilégié. Du dramatique assassinat de Tony Frangié en juin 1978 au combat pour l’unification des milices chrétiennes en 1979. Des horribles massacres de Sabra et Chatila en 1982 à l’absurde guerre de la Montagne en 1983. De la rupture en 1985 entre Amin Gemayel et les Forces libanaises menées par Samir Geagea et Elie Hobeica au conflit en 1986 entre ces deux derniers. De la guerre de libération du général Aoun contre les troupes syriennes en 1989 à sa guerre d’élimination contre les Forces libanaise en 1990.
Chacun de ces épisodes est commenté et analysé. On y apprend à titre d’exemple que le but de l’expédition d’Ehden en juin 1978 n’était pas de tuer Tony Frangié mais de s’emparer des deux assassins de Joud el Bayeh refugiés dans son palais.
A l’instar de beaucoup de Libanais, Ibrahim Najjar considère que la guerre au Liban n’était pas une guerre civile mais une guerre proche orientale entre des Syriens qui jouent le rôle de pompiers pyromanes souhaitant contrôler en plus du Liban la carte palestinienne, des Palestiniens qui pensaient avoir trouvé au Liban une patrie de rechange et enfin des Israéliens soucieux de leur sécurité. Dans ce jeu des puissances étrangères, la France, protectrice historique du Liban, confie, sous Giscard d’Estaing, le dossier libanais aux Américains et ceux-ci, ne souhaitant pas intervenir échaudés par leur expérience au Vietnam, le sous-traitent aux Syriens.
Le livre présente les grands acteurs politiques libanais de l’époque, une contribution inestimable pour comprendre les raisons de cette guerre. Dans cette série de portraits on retrouve :
Camille Chamoun, personnalité charismatique et séduisante, qui avait un sens politique profond et un courage légendaire.
Souleiman Frangié, un vrai patriote gouvernant avec une mentalité féodale et navigant à vue en politique.
Pierre Gemayel, doué d’un flair politique, courageux et intègre, monopolisant toute décision à la tête du parti des Phalanges qu’il a organisé selon une hiérarchie pyramidale à la manière de la congrégation des pères Jésuites dont il était l’élève. Sacralisant la Constitution qu’il considérait comme une garantie pour les chrétiens, il était un appui indéfectible de la présidence de la république et a évolué, à partir du début des années 70, du « Phénicianisme » à la reconnaissance de l’identité arabe du Liban.
Obnubilé par son désir d’accéder à la présidence de la république et voulant prendre une revanche sur les maronites 150 ans plus tard, Kamal Joumblatt n’a pas hésité à suivre Arafat dans son entreprise destructrice de l’État libanais. Chez les Joumblatt, Ibrahim Najjar préfère Walid à Kamal. Esprit curieux et cultivé, Walid Joumblatt a su mener la communauté druze dans les moments difficiles et a défendu la liberté au Liban.
Bachir Gemayel avait la sympathie de l’auteur du livre. Son ascension est fulgurante même s’il a emprunté un chemin sans issue. Son assassinat avant l’investiture a été prédit quelques jours plus tôt par le conseiller de l’ambassade américaine au Liban. Il reste néanmoins que grâce à lui, le Liban s’est débarrassé de l’état terroriste palestinien installé par Arafat à Beyrouth.
On apprend aussi dans ce livre, qu’Elias Sarkis était un homme intègre et courtois, mais ne maitrisant pas les enjeux géostratégiques au Proche Orient, il était plus adapté à la haute administration qu’à la politique.
De culture anglo-saxonne et familiarisé avec la mentalité chrétienne, Saeb Salam était un chef sunnite modéré qui a œuvré pour la conciliation entre les communautés. Modéré et cultivé aussi Abdallah el Yafi est le premier Libanais à avoir eu un doctorat en droit. Néanmoins, tous les deux suivront Yasser Arafat en 1975 à l’instar de Rachid Karamé pourtant fervent chehabiste et proche des milieux chrétiens de Tripoli.
Pour comprendre la position des sunnites, il faut remonter à la genèse du Grand Liban. Liés par des liens familiaux et commerciaux avec la Syrie, ils ont vécu comme un traumatisme la création de ce pays en 1920 et ont privilégié longtemps jusqu’à Rafic Hariri leur appartenance arabe à leur ancrage libanais. Leurs revendications visaient à rééquilibrer en leur faveur le partage du pouvoir. Revendications légitimes, certes, mais qui ne justifiaient pas de déstabiliser le pays et de le pousser dans le redoutable conflit israélo-palestinien.
Une grande figure, qui mérite d’être connue, est le Patriarche grec-orthodoxe Ignace IV Hazim. D’origine syrienne, il a confié au Professeur Najjar que le sort des grecs-orthodoxes était dorénavant lié à celui des maronites, rompant avec l’aspiration d’une partie de cette communauté au nationalisme syrien et au nationalisme arabe qui remonte à la création du Grand Liban. A l’époque, la communauté grecque-orthodoxe étant implantée dans les grandes villes du Levant, les frontières du nouvel État libanais ont coupé cette communauté en deux.
On croise aussi dans ce livre le félon Ahmed al Khatib un piètre officier mal noté par sa hiérarchie et le général Aziz el Ahdab qui a suscité des espoirs dans certains milieux phalangistes au moment de son coup d’état avant de se révéler un homme isolé n’ayant pas les moyens de ses ambitions.
Un autre général, Michel Aoun, chantre à ses débuts d’un Liban libre n’a pas eu de scrupules à tourner sa veste et à servir de couverture politique au projet iranien au Liban.
Il reste Raymond Eddé, un être intègre, d’un grand raffinement et d’une profonde civilité, convenant plus au Sénat français qu’à la politique libanaise. Il a été loué pour sa modération et sa neutralité pendant la guerre civile, néanmoins l’heure n’était pas à la neutralité mais à l’engagement face à la menace palestinienne. Lors des élections présidentielles de 1976, il avouera au Professeur Najjar son appréhension d’être élu à cette fonction.
Très instructive est la description des rapports entre les différents chefs politiques libanais. Malgré leur proximité avec Fouad Chehab, Pierre Gemayel et Kamal Joumblatt évoluaient dans une opposition permanente. Le chef druze avait tendance à considérer le chef des Phalanges dépourvu de culture politique et piètre orateur.
En revanche, Saeb Salam éprouvait une amitié sincère pour Pierre Gemayel mais détestait Camille Chamoun. Raymond Eddé était hostile au parti des Phalanges et à celui de Camille Chamoun, n’hésitant pas à distiller des phrases assassines à leur égard.
Souleiman Frangié était séduit par la personnalité de Camille Chamoun mais éprouvait de la méfiance envers Pierre Gemayel notamment après la manifestation de force qui a accompagné la visite de celui-ci à Ehden à l’été 75.
Rivalité surtout entre Bachir et Amin, l’un allié des Israéliens et l’autre n’osant pas signer l’accord israélo-libanais du 17 mai 1983 pourtant ratifié par le parlement libanais. Amin n’hésitera pas à évincer les collaborateurs de son frère de toute fonction politique après son assassinat.
Alors qu’il faisait partie du bureau politique du parti phalangiste, Ibrahim Najjar avait conscience que ce grand parti, qui a joué le rôle de bouclier contre les Palestiniens en 1975, souffrait d’une image négative liée aux conditions de sa création survenue dans le contexte du nationalisme extrémiste des années 30 et à son nom qui renvoie aux Phalanges espagnoles de Franco. Pour corriger ces clichés, il cherchera à affirmer l’encrage social-démocrate de ce parti et à renforcer son armature idéologique en adoptant le Personnalisme d’Emmanuel Mounier et la « Consociation » (démocratie consensuelle) importée au Liban par Théodore Hampf. Il a eu, aussi, l’idée ingénieuse de proposer la constitution d’une nouvelle communauté libanaise laïque à laquelle peuvent adhérer les Libanais de tout bord. Cette option mériterait d’être mise en œuvre en attendant l’abolition du confessionalisme des esprits, avant de le supprimer des textes.
Grec-orthodoxe, né maronite, ayant grandi dans la ville sunnite de Tripoli, tout prédisposait Ibrahim Najjar à l’ouverture aux autres communautés. Il sera l’un des premiers dans le parti phalangiste à préconiser des concessions politiques envers les musulmans pour les attraire au projet libanais.
Farouchement opposé à la partition du Liban, il a su avancer des arguments qui restent 40 ans plus tard d’actualité. Ces arguments méritent d’être connus dans le contexte des débats qui agitent la communauté chrétienne aujourd’hui :
• dans un foyer nationaliste chrétien, les chrétiens vont s’entretuer entre eux,
• un tel État serait rejeté par les pays arabes et présenterait une menace pour la diaspora libanaise chrétienne dans les pays du Golf,
• il n’est pas concevable d’abandonner des villes traditionnellement libanaises comme Tripoli, Saida, Tyr et Baalbeck,
• les chrétiens sont présents dans toutes les régions libanaises, ce qui pose le problème des minorités chrétiennes dans les régions musulmanes,
• enfin, les maronites sont orientaux et arabes par leurs traditions, leurs habitudes, leur façons de vivre et leur culture. En même temps, ils sont ouverts à l’occident chrétien. Cette double appartenance fait leur singularité et définit leur rôle historique de passeur entre Orient et Occident.
Rappelons qu’à l’époque Pierre Gemayel était aussi attaché au vivre ensemble dans le cadre du Pacte national de 1943, alors que Camille Chamoun, Bachir Gemayel et l’ordre des moines maronites libanais étaient favorables à la partition du pays, considérant la formule de 1943 obsolète. Plus tard Bachir changera d’avis.
En terminant ce livre, je me sens envahi par un mélange de tristesse et de reproche.
Tristesse, en pensant à tous les morts de la guerre civile, les disparus, les Libanais éparpillés sur les chemins de l’exil.
Reproche envers tous ceux qui sont à l’origine de l’éclatement de ce pays. Quel gâchis !
Il est à parier que si les responsables de l’époque avaient eu l’intelligence politique d’Ibrahim Najjar son sens de l’État, son intégrité, sa culture et sa maitrise du droit, le Liban ne serait pas aujourd’hui dans un tel état.
François Boustani
*François Boustani est cardiologue en région parisienne. Il a quitté le Liban au début de la guerre civile pour faire des études de médecine à Montpellier puis de cardiologie à Paris. Passionné d’histoire, il a écrit de nombreux articles et a donné régulièrement des conférences sur l’histoire de la médecine et des échanges entre l’Orient et l’Occident. Il a publié en octobre 2007, aux éditions Philippe Rey, un livre intitulé La circulation du sang : Entre Orient et Occident, l’histoire d’une découverte qui a reçu trois prix : le Prix de l’Académie des sciences d’Outre-Mer (décembre 2007), le prix Jean Charles Sournia de l’Académie nationale de médecine (juillet 2008) et le prix France-Liban décerné par l’ADELF (novembre 2008). Ce livre a été traduit en 2017 au Brésil et en 2019 en Chine. Il a publié en 2012 l’Essentiel en cardiologie aux éditions Sauramps médical qui a été rééditée sous une forme augmentée en 2017 et en 2022. Il a fondé en 1999 et s’occupe toujours du site de la « cardiologie francophone » : www.cardiologie-francophone.com Il a été élu en janvier 2013 membre correspondant de l'Académie des Sciences et des Lettres de Montpellier Il a été élu en janvier 2014, président de l’Association Franco-Libanaise de pathologie cardio-vasculaire Il a reçu en juin 2017 la Grande médaille de la Francophonie décernée par l'Académie française
Le choix et le destin, Les recensions et revue de presse, 2023
to me
"سرد التاريخ في لغة القانون"
افتتاحية النهار – 11 كانون الثاني 2023
سمير عطالله
"الموقف شيء صغير يحدث فرقاً كبيراً"
تشرشل
تعوّدنا مع السنين الطويلة ان وضع كتاب عن تاريخ لبنان امر شاق ومعقّد وصعب وشبه مستحيل. غير ان كثيرين يرفضون التسليم بهذا الرأي، أو الرؤية، ويصرّون على التوصل الى كتاب مدرسي موحّد يقرأه الاطفال ويحفظه اليافعون ويقبله الجامعيّون ولو على مضض. كاتب هذه السطور من الفئة الأولى. فالوطن المسمى لبنان، مرة كبيراً ومرة صغيراً. قائم في تاريخ، متحارب وفوق جذور متقاتلة، وهو على صغره يمثل التناقضات الأكثر عمقاً في البشرية. أرض موزعة ما بين المسلمين على مذاهبهم، والدروز على منابعهم، والمسيحيين على احزانهم وشقاواتهم، لذلك، الأفضل للجميع بقاء الوحدة السياسية ولو ضعيفة، على توحيد الثقافات، ولو ثابتة. وأنا من الذين يفضلون التكاذب المؤدّب والمهذّب على صراحة الفجور ووقاحة الاغبياء والرغبات المريضة، التي تظهر في كل الاوقات على شكل مقترحات سقيمة، فارغة، خالية من اي مشروع قابل للحياة.
"الخيار والقدر" للدكتور ابراهيم نجّار، احد اجمل وارقى وأصدق الكتب التي أَرَّخت للبنان الحديث، وفي صورة خاصة للمرحلة التي بدأت مع #حرب 1975 ولم تنتهِ حتى الآن، ولا يبدو انها ستنتهي قريباً. كان ابراهيم نجار، الوزير والاستاذ الجامعي والخبير القانوني، في قلب القدر وفي قلب الخيار. وقد اختار، بعكس ما توحي به بيئته، الانتساب الى حزب الكتائب والبقاء فيه، فيما تخلّى عنه كثيرون، منهم من خرج عليه، ومنهم من اكتفى بالخروج منه. هوية الرجل معقدة مثل الوطن الذي أحبّ. فهو ماروني الولادة، ارثوذكسي الانتماء، شمالي من طرابلس والكورة، علماني تتلمذ عند الرهبان في عينطورة، بورجوازي اقرب الى الثراء، وعمّالي بقدر.
في سيرته الذاتية يروي ابراهيم نجار سيرة لبنان والساعات الرهيبة التي لا يزال يتداولها الخوف، ويتناوبها اليأس وتواري الآمال. كتب هذه السيرة بدقة رجال القانون، واكاد اقول بدقة "الكتّاب العُدول"، فما من تفعيل يمكن اعتباره بسيطاً أو عَرضيّاً. كل شيء في الجوهر وفي الأساس، ولكن كل شيء ايضاً في موضوعية مذهلة بالمقارنة مع ما صدر من كتب ومؤلفات وتحليلات ومحاضرات ودراسات، حول هذه المرحلة البادئة مع الاستقلال.
خلافاً للقاعدة شبه العامة التي سخر منها جورج برنارد شو بقوله "#التاريخ يعرف جيداً كيف يكذب"، فإن التاريخ عند ابراهيم نجار يُشبه الى حد بعيد سر الاعتراف. فهو لا يترك شيئاً دون ذِكر، ولا مسألة دون رأي، ولا حواراً أو لقاء دون وثيقة.
بذلك تبدو استعادة التاريخ مزيجاً من متعة القراءة ونضارة السرد. في الوهلة الأولى تعتقد ان الرجل يكتب عن اشياء تعرفها ومررت بها ومرت بك. ثم تكتشف انك على خطأ وأن لديه ما يروي مما لا تعرف عنه شيئاً. سواء في الأحداث أو في الرجال، أو في كليهما. وهو كعضو في المكتب السياسي لحزب الكتائب عاش المراحل الصعبة والمتحوّلة، من داخل البيت. وكان قريباً، على ما يبدو، من جميع افراد "العائلة المقدسة": الشيخ بيار الأب، ومن ثم الرئيس بشير الجميل، الذي اغتيل قبل ان يقسم اليمين الدستورية، ومن ثم الرئيس أمين الجميل الذي تم التوافق آنذاك بين قادة المسلمين والمسيحيين على ان الرئاسة يجب ان تؤول اليه. في هذه الساعات بالذات يكشف ابراهيم نجّار سراً آخر من الاسرار التي أطلعه عليها حليم معماري، المستشار الشرقي في السفارة الاميركية، إذ قال له ذات يوم ان بشير الجميل هو الرئيس المقبل، لكنه سوف يُقتل قبل موعد الرئاسة، وان الشياطين التي تتربص به افلتت من عقالها.
منذ اللحظة الأولى لاندلاع حرب 1975 كانت لدى ابراهيم نجار قناعة بأنها ليست حرباً بين المسيحيين والفلسطينيين وإنما (اصبح لبنان ضحية) ازمة شرق اوسطية تتداخل فيها عناصر اقوى بكثير من ضعف البلد الصغير وقدرته على مواجهة البراكين المتفجرة من داخله ومن حوله. كما اعتقد بأن الحرب اللبنانية لم تكن يوماً نزاعاً طائفياً، وإنما تَصارُع نفوذ وحرب بالواسطة "بأدوات لبنانية على أرض لبنانية".
لا يصدق ان الحرب كانت لبنانية في اي وقت. إنها حرب دولية بكل تأكيد. ولكي يُثبت نظريته حول الحرب الدولية يقول: "كلما أتى هنري كيسينجر، وكوف دو ميرفيل، ودين براون، في فترات متباعدة قبل الحرب. وفي سنيها اندلعت جولات القتال واحدة بعد الأخرى.
كلما جاء واحد من هؤلاء وسواهم من وزرائهم، ولسبب لم نكن نعرفه، نجد ان هذا الفريق في الحرب اللبنانية، أو ذاك، يتضرر من الزيارة، فيفجّر الاوضاع الداخلية. مرة عبر اسرائيل، وأخرى عبر سوريا، وثالثة يتولاها الفلسطينيون انفسهم". ويكشف عن اعتقاده بأن بشير الجميل كان قد بدأ الاتصال بالاسرائيليين، وأن الاميركيين كانوا يعارضونه في ذلك بعنف. ويروي ان المستشار الأول في السفارة الأميركية كان يُكثر في الانتقاد لبشير، وحاول تقييد حركته، "ورأى في تصرفات القائد الشاب الكثير من الغباء السياسي والمغامرة والتهور العسكري". ويروي ان المستشار مورهد كينيدي زاره في مكتبه وهو في حالة عارمة من الغضب وقال له وعيناه جاحظتان: "اريد أُن اُبلغ إليك مسألة اتمنى ان تثار. على بشير الجميل ان يصمت". يسأله ابراهيم نجار لماذ لا تقول له انت ذلك؟ فيجيب: "الادارة الاميركية تعتبره شخصاً غير مرغوب فيه".
يعتبر المؤلف ان الحرب الاهلية لم تبدأ في عين الرمانة وإنما بدأت قبلها بشهرين في صيدا عندما قامت تظاهرة اصيب فيها النائب معروف سعد، الذي عاد وتوفي بسبب الجرح البالغ. وما لبث ان قام في البلد مشهد سياسي واضح الملامح "ومثير للقلق". المسيحيون مسلّحون، ومعهم الجيش، والفلسطينيون مسلحون ومعهم المسلمون". لكن الأدهى كانت النزاعات المسيحية - المسيحية، التي تفجرت في تلك المرحلة من البداية الى النهاية. بسبب علاقته العائلية مع بيت فرنجية، يقدم رواية اكثر دقة عن المجزرة التي ضربت اهدن وراح ضحيتها النائب طوني فرنجية وزوجته وابنته. ويطرح الكثير من التساؤلات حول تلك المجزرة بعد أن يروي اسبابها على اثر مقتل المسؤول الكتائبي جود البايع. ويرى ان المسيحيين انفصلوا منذ ذلك اليوم الى فريقين، هما: مسيحيو الشمال والمسيحيون الآخرون. ويعوّل على دور فرنسا في الازمة الراهنة معتبراً انها لن تتخلّى عن لبنان، ومتخوفاً في الوقت نفسه من بعض المواقف التقسيمية التي ظهرت في الآونة الاخيرة، خصوصاً تحت ستار الدعوات الى الفيديرالية واللامركزية وغيرهما من مسمّيات شاعت عشية الحرب. ويقول ان هذه الموجة من الفكر السطحي والتفكير القروي، عادت اليوم الى الظهور على نحو متواتر ومتوتر. والمأساة كانت دوماً هذا النوع من المتسلطين على الخيارات والأقدار.
متعة سيرة ابراهيم نجار، لكنها ليست فرحاً. بالعكس، هي سيرة احزان لا نهاية لها، مثل تغريبة بني هلال. وهي حكاية اخفاق تراجيدي قائم الفصول قاتم الخواتم. مسيحيون يسعون الى شرعة جذورهم في الشرق، يسرق احلامهم المدَّعون والمزيّفون ووحوش الطمع. ربما لا يدري انه قدّم لنا عرضاً مسهباً لنموذج اللبناني المحظور الوصول. كل ما فيه سبب لرفضه. علمه وخلقه وترفّعه واستنكار العنف والعداء والضغينة.
"الخيار والقدر" شهادة مريعة على ما فعله الآخرون بلبنان، وعلى ما فعله به اللبنانيون، أو حَمَلة الهوية، مباعة أو مشتراة!..
الأوتوبيوغرافيا بين الشخصي والتأريخي
بقلم هنري غيب ــ النهار ــ السبت 5 تشرين الثاني 2022 ــ الصفحة 6
بين أَكثر الأَنواع الأَدبية رَواجًا: كتُب السيرة (البيوغرافيا)، لمتعة ما فيها من اكتشاف حنايا خاصة وشخصية قد لا يعرفها القراء من النص العادي، شعره أَو النثر.
وبين أَحبّ الحنايا في هذا النوع الأَدبي: كتُب السيرة الذاتية (الأُوتوبيوغرافيا)، على صعوبة ما فيها من تضييق المسافة والمساحة بين إِغراء “أَنا” الكاتب الشخصية، وسرد الحقيقة الموضوعية، لا الـمُتَخَيَّلَة، حين يكون النص مرآةَ الكاتب الذاتيةَ الحميمةَ (“سبعون” نعيمة و”أَيام” طه حسين نموذجًا). على أَن الأُوتوبيوغرافيا تصبح وُثقى، شخصيةً وموضوعيةً معًا، حين يُزوِّدها الكاتب بوثائق دامغة تؤَكد قَوْلته أَو تفصيله، فتكون عندها مزدوجةً: سيرة الكاتب ومسيرة عصره.
من هذا النوع العالي القيمة ورَدَني هذا الأُسبوع أَثران قيِّمان:
1ـ “الخيار والقَدَر” للبروفسور ابرهيم نجار. هوذا كبير من لبنان يفتح سِفْره الغالي (734 صفحة حجمًا كبيرًا) ليرسم خارطةَ حياة لاخاليةً من مطالع كفاح ومقالع نجاح. لم يشأْهُ “تاريخًا” ولا “تأْريخًا” بل أَراده “كتاب مذكرات”، و”عرضًا شخصيًّا يلامس الرواية”. وأَوضح أَنه سلسلة “مشاهداتي وأَحداث رافقْتُها في مسار الالتزام الوطني”. وكم كبيرًا وراقيًا ونبيلًا كان الْتزامُه الوطني، مناضلًا ومحاميًا ووزيرًا، وفي كل مفصل من حياته الثرية منعطفٌ كثيفٌ أَنقذَتْه فيه شخصيتُه التي، بكل عجَب، بين الحزم والدماثة، في مراعاةٍ أَخلاقيةٍ “خصوصيةَ” بعضِ من ورَد ذكرهم في الكتاب. ومن خلال كثيف الذكريات، بدءًا بالطفولة فاليفاع وما تلاهما، خرَج إِلى الشمس بأُطروحة “الخيار” والصلاحيات الإِرادية (بين مساره القانوني ومراحل سنيِّه المثقَلة بالجنى المبارَك)، زاوَجَها بـ”القدَر” (“تَلاحُق أَحداثٍ وفق علاقة سببية”). وبتقديره أَن “القدَر نقيضُ الصدفة” ترك لنا فُسحةَ فرصةٍ غالية في كتاب بحجم “القَدَر” نتلقَّاه خارج “صدفة” البناء الوطيد: بناءِ وطنٍ نتعلَّم كيف نبنيه متينًا ساطعًا واثقَ المستقبل كما تَقَطَّرَ من قلَم ابرهيم نجار.
2ــ ”أَيام الصفاء والضوضاء” للرئيس الدكتور غالب غانم. هوذا مسؤُول كبير يدلي بشهادته في محكمة الضمير (494 صفحة حجمًا كبيرًا – منشورات “دار سائر المشرق”). في دقة القلَم الدؤُوب مُطَرَّزًا بجماليا الكلمة، نسَج الأَديب الرئيس أُوتوبيوغرافياهُ بِـحِرَفية عالية، بدءًا من تدوين الوالدة يمامة (“مي” شاعر “العندليب” الغالية أُمّ جورج) تواريخَ الأُسرة “بخطِّها المتناسق” على إِحدى دفتَي خزانتها، إِلى النشْأَة في ظل الكبير “المعلِّم عبدالله” (الوالد الشاعر الرائد) وسْط إِخْوة شعراء وساطعين، في تلك البسكنتا المتوَّج صنِّينُها بكواكب الأَدب اللبناني، إِلى الدراسة في كوكب “الحكمة”، إِلى أَقواس المحاكم قاضيًا في بياض الضمير تحت الرُوب الأَسْوَد، إِلى رئاسة مجلس شُورى الدولة، إِلى رئاسة مجلس القضاء الأَعلى، إِلى رئاسة منظَّمة محاكم التمييز الفرنكوفونية، وبينها جميعًا وقفات منبرية بنبرة أَدبية من أَعلى ما يمكن أَن يطاله قلَم في يد أَديب متمكِّن. ويَرفدُ الرئيسُ المسؤُول صفحاتِه بوثائقَ تَنْقُل سِفْرَه، صفاءَهُ وضوضاءَه، من ذكريات إِلى شهادات، ومن مذكِّرات إِلى مفكِّرات، ما يجعله مرجعًا يعاد إِليه تاريخًا وتأْريخًا.
بعضُ الأُوتوبيوغرافْيَات شخصيٌّ لا يعني إِلَّا صاحبه وحفنة مريدين (إِذًا ما أَهميَّتُه؟)، وبعضها غيريٌّ يَروي حقْبة من سيرة صاحبه في مسيرة الوطن (وهنا أَهميَّتُه). في هذا الميزان بالذات يسطع “الخيار والقدَر” ورفيقُهُ “أَيامُ الصفاء والضوضاء”.
ليس نَصي هنا قراءةً مضمونَ هذين الكتابين الجليلَين بل إِضاءةٌ بسيطة عليهِمَا لهدف محدَّد: كيفية تأْريخ مرحلة راهنة دقيقة من تاريخ لبنان الحديث، يكتبُه رجُلان تبوَّآ ناصِعَين أَعلى المسؤُوليات بين قلَّةِ مَن أَسهموا بنصاعةٍ في صنع هذا التاريخ.
يَسْلَمُ هذان القَلَمان العلَمان.
قدرة رجل دولة وقانون بامتياز
رغم إعجابي الشديد بأبو العلاء المعري، لم أعد أشاركه الرأي القائل "إثنان أهل الأرض: ذو عقل بلا دين وآخر ديِّن لا عقل له" منذ معرفتي البروفسور إبراهيم نجار.
وقراءتي مذكّراته أكَّدت لي بصورة حتمية أن هذا الرأي خاطئ.
في السيرة الذاتية للوزير السابق البروفسور إبراهيم نجار "الخيار والقدر"، نرافق المؤلف مختلف حقبات حياته وذلك من خلال سبعة أقسام تبدأ بـ"الطريق الى الإنوجاد" لتنتهي بـ"الصحراء في نفق" ويستوقفنا التلاؤم بين حياة المؤلف من جهة ومصير هذا الوطن الذي آمن به من جهة أخرى إذ نشأ إبراهيم نجار حالماً يهوى الشعر في كنف وطن قال أنه "مختبر الحلم"، فنتعرف عليه منذ الطفولة حتى رجل الدولة الذي حارب التقسيم كونه "تهديد يومي للمصير المسيحي" وآمن بلبنان الوطن الجامع مهما كانت الصيغة. وبين هاتين الحقبتين، يجعلنا المؤلف نختبر تجربته المرَة في مدرسة عينطورة الداخلية. وفي الحب، نقرأ دواوين شعره الكئيب في أميون (les béatitudes”")، لينقلنا منها الى فرنسا حيث تابع دراسات الحقوق، ويعيدنا بعدها إلى لبنان ليطلعنا على مرافعاته اللامعة كمحامٍ مميز، ومحاضراته الجامعية المثمرة كبروفسور في القانون، وموافقه الشجاعة كرجل سياسي مخلص لمبادئه.
ويسرد البروفسور نجار سيرة حياته الذاتية مستعرضاً معها تاريخ لبنان الحديث وفقاً لما عايشه، معززاً إياها بالمراجع العديدة منها الأدبيــة (Kipling) والقانونيـــــــة (Planiol et Ripert) ومنهـــــــا الفـلسفيـة (Schure, Camus, Socrate) وحتى اللاهوتية، ما يجعل هذه المذكرات فريدة من نوعها مثلما جعلت الثقافة والمعرفة من إبراهيم نجار رجل قانون فريداً من نوعه.
ما أثَرني شخصياً عند قراءتي، هو هذا الطفل الذي قيل له أن والِده لم يعترف به وأنه يدْعى "إبراهيم يزبك"، هذا المراهق الذي "ترعرع لوحده" متروكاً " للشتاء والعواصف والصواعق والزمهرير"، فانكبَ أولاً على القراءة والكتابة والشعر ومن ثمَ تمرَد: فهرب من مدرسة عينطورة الداخلية، متسلقاً الجبل وصولاً إلى دار جدِه بثقة وعزيمة، مثلما تغلَب بعدها على صعوبات الحياة وتصدى للتحديات.
ولكن ما أثار إعجابي لا بل دهشتي قدرة هذا المراهق أن ينتفض بدلاً من أن يكتئب، أن يجد نفسه عبر مسار مهني استثنائي بدلاً من أن يتوه، أن يضع مبادئ حياتية فريدة عوضاً عن أن يتبع المسلك الأسهل، فاستعاد إسمه، واختار انتماءه المذهبي، وانتقى مساره السياسي، وصنع حاضره، وهيَأ لمستقبله لدرجة يُسمح لنا تسمية هذه السيرة الذاتية “الخيار والقدرة" عوضاً عن "الخيار والقدر". أليست قدرة هذا الشاب الذي ألف الشعر في أميون الموحدة، مخاطباً نفسه ("أريد المجد وسأصل إليه"je veux la gloire, je l’aurais)، مركزاً على فعل الإرادة الذاتية، هي التي مكَنته من نحت كيانه وتوجيه قدره والتغلب عليه؟
رنا شعبان
دكتورة في الحقوق- أستاذة محاضرة
لدى جامعة دو مان الفرنسية
محامية لدى محاكم بيروت وباريس